الاثنين

سوانح فتاه



السانحة الأولى


نحن الفتيات أسيرات الأزياء،و عبدات التبرُّج ، ولُعَب الأهواء، أنكتب نحن فتيات اليوم؟

نعم، صرنا نكتب ليس بمعنى تسويد الصحائف فحسبُ بلبمعنى الانتباه للشعور قبل التحبير ، لقد خبرنا الاختلاء بذواتنا فأقبلنا على تفهممعاني الحياة نتفرس في المشاهد بأبصارٍ جديدة، ونصغي إلى الأصوات بمسامع منتبهة ،ونتوق إلى الحرية والاستقلال بقلوبٍ طروبة، ونعبِّر عن النزعات بأقلامٍ يشفعالإخلاصُ في تردّدها. إن الأمر لكذلك. وجرأتنا هذه لم تبدُ من اللائي سبقننا،وإقدامنا لم يألفه الرجل من سوانا ، والجمهور يرقبنا بنظرةٍ خاصة تائقاً إلىتصفُّحِ نفس المرأة في ما تصِفُ به ذاتهاو ليس في ما يرويه عنهاالكاتبون.

وما الغرض من ذلك؟

يزعم الجمهور إن رغبته في تذوُّق إنشاءِالمرأة لا تُعربُ عن إكبارهِ لذلك الإنشاء ، أو عن إقراره بصدق الفراسة منها. وإنما لأن في كتاباتها مظهراً من مظاهر الذات النسائية العامة.

خطوةٌ صالحةنحو تكريم الأدب النسائي ، إلا أن فيها من الظلم و غمط الحقوق ما فيها. نحن نحبُّ الحلم ، و نطلب التساهل ، و نريد أن يستعان في الحكم علينا "بالظروف المخففة"كما يقول سادتنا الحقوقيون.

نريد ذلك لأننا مبتدئات. نريده لأننا مبتدئات ولأننا بنات يوم تشرق علينا شمسه نخلق أنفسنا بأيدينا ، و نكتشف الطرق غي غابات مهجورة ، ونمهد السبُلَ بين الصخور و الأدغال لنا و للآتيات بعدنا.

إفساح المجال علينا عسير. فنشكرُ للحليم تغاضيه عن القصور في عملنا و انتباهه لضآلةوراثتنا في عالم القلم- كما نشكر للناقد الكيّس ما يُبيّنه لنا من أغلاطٍ ناتجةٍ عن ضعف الفتاة و قلة اختبارها. و لكنهُ لا يجوز في شرع العدل و الحقيقة أن تُرمى جميع أعمالنا بالضعف النسائي و أن يطلق عليها الحكم بلا بحثٍ و مقارنةٍ.

لقدغالى بعض المفكرين، لا سيما بعض الذين أقنعوا نفوسهم بأنهم مفكرون؛ لقد غالى هؤلاء فيفصل المرأة عن النوع الإنساني الذي كادوا يحصرونه في الرجل. و الواقع أن كل حميّةتهزُّ المرأة إنما تنطلق من النفس الإنسانية الشاملة، و كلّ نقص يشوبها إنما يرجعُ إلى العجز البشري الشائع ، و كلُّ أئرٍ من آثار ذكائها إنما هو وجهٌ من وجوه الفكرالإنساني العام.



ويقرأ ولي الدين يكن السانحة الأولى، التي نشرتها مي ويتابع سوانحها الواحدة تلو الأخرى.. كان يعرف صاحبة هذه السوانح .. وكان على اطلاع على ما أنتجه يراعها... كان يعرف صاحبة هذه السوانح.. وكان على اطلاع على ما أنتجه يراعها.. وذات يوم.. ويبدو أنه كان للتوّقد فرغ من قراءة سانحة من سوانح مي.. ويبدو أن إعجابه قد وصل إلى حد حمله إلى الكتابة لمي معبراً عن رأيه فيها.. وكتب:

"سيدتي.
وددت لو ألهمت من الكلام ما يسمو حتى ينتهي إليك في أوجك العالي – أنا حيران – أنظر فأرى فلاً باهراً وتصبو نفسي إلى تلك المحاسن. ثم يستوقفها عرفاني بعجزي. يا بيت القصيد في بدائع القدرة، ليهنأ بك العصر ولتفخر بك بنت إيزيس واوزريس.

لا أدري ما أصف : مجلسك الطيب أم صوتك الرخيم أم كلامك العذب أم فكرك المنير. أقل ما في هذه الملاحات يدق عن فهمي ويعيي عن الاحاطة به ادراكي.

كانت لي في دولة الشعر مكانة، واليوم أشهد الله إني أكاد أهوي من عليائها. أنت كالطبيعة في كل بدائعها ولكنها متقلبة وأنت ثابتة ولا أقرنك إلى من سلفك من سيدات الشرق ولا من جاوزتهن من سيدات الغرب ولا أقول أنت حمامة الدوح فتلك عجماء وأنت معربة ولكني أقول أنك بلبل الشعر الصادح في روض الحياة.

فصولك الغضة تعلو بالمدارك وتنير جوانب النفوس فلا تدعيها كالاوراق التي تحضر في الربيع وتذوي في الشتاء .. جمعيها جنية غضة وكللي بها رؤوس هذه الأعوام – الناس في حاجة إلى هذه الأنام الإلهية...

"ولي الدين يكن"



كان ذلك في 23 نيسان سنة 1912 ... وبعد عشر سنوات عملت مي باقتراح ولي الدين يكن فجمعت هذه الفصول ونشرتها لها دار الهلال سنة 1922 تحت عنوان "سوانح فتاة".




save as - حفظ بصيغة

وردة اليازجي


وردة اليازجي


1253 - 1342 هـ / 1838 - 1924 م


وردة بنت ناصيف اليازجي. أديبة، من أهل كفر شيما (بلبنان) تعلمت في مدرسة البنات الأميركية ببيروت، وقرأت الأدب على أبيها، ونظمت الشعر، فاجتمع لها ديوان صغير سمته (حديقة الورد - ط)، واقترنت بفرنسيس شمعون سنة 1866م، وسكنت الإسكندرية وتوفيت فيها. أكثر شعرها في المراثي.
وللآنسة ميّ: (وردة اليازجي) رسالة.

نماذج من شعرها:

مني السلامُ على ديارِ اَحبَّتي ... كالمسكِ تحملُهُ الصَّبَا إذ هبَّتِ
مني السلامُ على الذي هجر الحمى ... ولهُ خيالٌ لا يزالُ بمقلتي
قيَسَماً بذاكَ الربعِ قلبي ما صبا ... إلاَّ لربعٍ في رُباهُ جَنَّتي
يا حبذا تِلكَ الديارُ وإن تَكُن ... بَلِّغ اليهِ حَيءٌ ما برحتُ كَمّيِتِ
بالله يا مَن زارَ أَكنافَ الحمى ... بَلِّغ اليه ألفَ الفِ تحيةِ
وسَلِ الحبيبَ متى اللقآءُ فإنني ... في الحىِّ ما برحتُ كَميِّتِ




save as - حفظ بصيغة

كلمات و اشارات


الإخاء



إنّ كلمة الإخاء التي ينادي بها دعاة الإنسانية في عصرنا, ليست ابنة اليوم فحسبُ, بل هي ابنة جميع العصور, وقد برزت إلى الوجود منذ شعر الإنسان بأنّ بينه وبين الآخرين اشتراكًا في فكرة أو عاطفة أو منفعة, وبأنهم يشبهونه رغبات واحتياجات وميولاً. يجب أنْ يتألم المرء ليدرك عذوبة الحنان, يجب أنْ يحتاج إلى الآخرين ليعلم كم يحتاج غيره إليه, يجب أنْ يرى حقوقه مهضومة يُزدري بها ليفهم أنّ حقوق الغير مقدسة يجب احترامها, يجب أنْ يرى نفسه وحيدًا, ملتاعًا, دامى الجراح ليعرف نفسه أولاً ثم يعرف غيره, فيستخرج من هذا التعارف العميق معنى التعاون والتعاضد. كذلك ارتقى معنى الإخاء بارتقاء الإنسان.

فى جمعيات سرية وعلنية, في جمعيات علمية وفلسفية ودينية وروحانية استُعملت كلمة الإخاء بين الإنسان والإنسان قرونًا طوالاً, حتى جاءت الثورة الفرنساوية تهدم أسوار العبودية بهدم جدران الباستيل, وتعلن حقوق الإنسان مستخلصة من بين الأخربة والدماء والجماجم, كلمات ثلاثًا هنَّ شعار العالم الراقي: حريةٌ, مساواة, إخاءٌ.

حرية, مساواة: كلمتان جميلتان يخفق لهما قلبُ كل محب للإنسانية, لكن - لا بدَّ لكل شيءٍ من (لكن) - هل كان تحقيقهما في استطاعة البشر? ما أضيق معنى الحرية إذا ذكرنا أنّ مجموعة الكائنات تكوّن وحدة العالم, وأنّ على كلٍّ منها أنْ يصل إلى درجة معينة من النمو مشتركًا مع بقية الكائنات في إكمال النظام الشامل. وفي وسط هذا النظام القاهر نرى الإنسان وحدهُ متصرفًا في أفعالهِ بشرط أنْ يخضع للقوانين المحيطة به والنافذة فيه. هو حرٌّ بشرط أنْ تنتهي حريته حيث تبتدئ حرية جاره, وبشرط أنْ يعلم أنه حيثما وجَّه أنظاره وأفكاره وجد نظامًا معينًا; وأنّ حريته, كلَّ حريتهِ, قائمة في اختيار السير مع ذلك النظام أو ضده, واستعماله للخير أو الشر, للربح أو الخسران. فما أكثرها شروطًا تقيد هذه الحرية التي تندكُّ لأجلها العروش وتتطاحن الأمم للحصول عليها!

أما المساواة فحلمٌ جميل ليس غير. لأن الطبيعة في نشوئها التدريجى لا تعرف إلاّ الاختلاف والتفاوت. أين المساواة بين النشيط من البشر والكسول, بين صحيح البنية والعليل وراثة, بين الذكي وغير الذكي, بين الصالح والشرير? كلا, ليست المساواة بالأمر الميسور, بل هي معاكسة لنظام حيوي إذا غولب كان غالبًا قاهرًا.

كلمة واحدة, تجمع بين حروفها الحرية والمساواة, وجميع المعاني السامية والعواطف الشريفة. كلمة واحدة تدلّ على أنّ البشر إِذا اختلفوا في بشريتهم اختلافًا مبينًا فهم واحد في الجوهر, واحد في البداية والنهاية. كلمة واحدة هي بلْسم القروح الاجتماعية ودواء العِلل الإنسانية, وتلك الكلمة هي الإخاء. لو أدرك البشر أخوَّتهم لما رأينا الشعوب مشتبكات بحروب هائلة صرعت فيها زهرة الشبيبة, وما زالت الدماء جارية في القارات الأربع وما يظللها من سماء ويتخللها من ماء. لو أدرك البشر أخوَّتهم لما وجدنا في التاريخ بقعًا سوداء تقف عندها نفوسنا حيارى. لو أدرك البشر أخوَّتهم لما رأينا المطامع تدفع الأمم القوية إلى استعباد الأمم الضعيفة. لو أدرك البشر أخوَّتهم لما سمعنا في اجتماعاتنا كلمات جارحات يجازف بها كلٌّ في حق أخيه, وهي من أركان أحاديث صالوناتنا الجميلة. ولكن لننزلنَّ قليلاً إِلي ما هو تحت السياسة والتاريخ والصالونات, لننزلنَّ إلى مهبط الشعب حيث الشقاء مخيم, واليأس مستديم.

يتفجر ينبوع النهر في أعالي الجبال, فيهرول مقهقهًا على الصخور, حتى إذا ما حشر وسط الشواجن الخضراء ملأ الوادي ألحانًا وأنغامًا. يجري في الصحاري والقفار فتنقلب القفار والصحاري مروجًا خصيبة وجنات زاهرة. يسير في البادية والحضر على السواء فيروي سكان المدينة وأهل القرية بلا تفريق بين الشريف والحقير. يرضع الأشجار بتغلغله في صدر الأرض الملتهب, ويغذي الأثمار والنبات ناظمًا لآلىء في ثغور الورود. وكلما وزع من مياههِ زادت مياههُ اتساعًا وتدفقًا, فيتابع السير بعقيقه الفخم واسع العظمة رحب الجلال, حتى إذا ما جلب النفع على الكائنات, وملأ الديار خيرًا وثروة وجمالاً, رأي البحر منبسطًا لاحتضانه, فشهق الشهيق الأخير, وانصبّ في صدر البحر مهللاً مكبرًا. كذلك عاطفة الأُخوَّة لا تكون أخوَّة حقيقية إلاّ إذا خرجت من حيز الشعور إلى حيز العمل, تنفجر عذوبتها على ذرى الاجتماع, وتجري نهرًا كريمًا بين طبقات المجتمع, فتلقي بين المتناظرين سلامًا, وبين المتدينين تساهلاً, وتنقش محامد الناس على النحاس; أما العيوب فتخطّها على صفحة الماء. تساعد المحتاج ما استطاعت بلا تفريق بين المحمدي والعيسوي والموسوي والدهري. ترفع المسكين من بؤس الفاقة, وتنشر على الجاهل أشعة العلم والعرفان, وتفتح أبواب الرجاء لعيونٍ أظلمتها أحزان الليالي. فكم من درةٍ في أعماق البحر لم تُسَرَّ بها النواظر لأن يد الغوَّاص لم تصل إليها! وكم من زهرة نوَّرت في الفقر, فتبدد عطرها جزافًا في الهواء! إنما الإخاء يزيح بيده الشفيقة الشوك عن الزهرة المتروكة, ويرفع لها جدرانًا تقيها ريح السموم الفتاك. هو العين المحبة التي ينفذ نظرها إلى أعماق النفس فتري أوجاعها, وهو الهمة العاملة لخير الجميع بثقة وسرور, لأنه القلب الرحيم الخافق مع قلب الإنسانية الواجف.

الإخاء! لو كان لي ألف لسان لما عييتُ من ترديد هذه الكلمة التي تغذت بها الضمائر الحرة, وانفتحت لها قلوب المخلصين. هي أبدع كلمة وجدت في معاجم اللغات, وأعذب لفظة تحركت بها شفاه البشر. هو اللِّين والرفق والسماح, كما أنه الحِلم والحكمة والسلام. لو كان لي ألف لسان لظللت أنادي بها (الإخاء! الإخاء!) حتى تجبر القلوب الكسيرة, حتى تجف الدموع في العيون الباكية, حتى يصير الذليل عزيزًا, حتى يختلط رنين الأجراس بنغمات المؤذنين, فتصعد نحو الآفاق أصوات الحب الأخويّ الدائم

---------

من كتاب (كلمات وإشارات) 1922


-ج 001
save as - حفظ بصيغة


-ج 002
save as - حفظ بصيغة

مي زياده



بطاقة تعريف الكاتبة الكبيرة: مي زيادة



ولدت ماري زيادة (التي عرفت باسم ميّ) في مدينة الناصرة بفلسطين العام 1886

ابنةً وحيدةً لأب من لبنان وأم سورية الأصل فلسطينية المولد.

تلقت الطفلة دراستها الابتدائية في الناصرة, والثانوية في عينطورة بلبنان.

وفي العام 1907, انتقلت ميّ مع أسرتها للإقامة في القاهرة. وهناك, عملت بتدريس اللغتين الفرنسية والإنكليزية,

وتابعت دراستها للألمانية والإسبانية والإيطالية. وفي الوقت ذاته, عكفت على إتقان اللغة العربية وتجويد التعبير بها.

وفيما بعد, تابعت ميّ دراسات في الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والفلسفة في جامعة القاهرة.

وفى القاهرة, خالطت ميّ الكتاب والصحفيين, وأخذ نجمها يتألق كاتبة مقال اجتماعي وأدبي ونقدي, وباحثة وخطيبة.

وأسست ميّ ندوة أسبوعية عرفت باسم (ندوة الثلاثاء), جمعت فيها - لعشرين عامًا - صفوة من كتاب العصر وشعرائه,

كان من أبرزهم: أحمد لطفي السيد, مصطفى عبدالرازق, عباس العقاد, طه حسين, شبلي شميل, يعقوب صروف,

أنطون الجميل, مصطفى صادق الرافعي, خليل مطران, إسماعيل صبري, وأحمد شوقي.

وقد أحبّ أغلب هؤلاء الأعلام ميّ حبًّا روحيًّا ألهم بعضهم روائع من كتاباته.

أما قلب ميّ زيادة, فقد ظل مأخوذًا طوال حياتها بجبران خليل جبران وحده, رغم أنهما لم يلتقيا ولو لمرة واحدة(!).

ودامت المراسلات بينهما لعشرين عامًا: من 1911 وحتى وفاة جبران بنيويورك عام 1931.

نشرت ميّ مقالات وأبحاثا في كبريات الصحف والمجلات المصرية,

مثل: (المقطم), (الأهرام), (الزهور), (المحروسة), (الهلال), و(المقتطف).

أما الكتب, فقد كان باكورة إنتاجها العام 1911 ديوان شعر كتبته باللغة الفرنسية,

ثم صدرت لها ثلاث روايات نقلتها إلى العربية من اللغات الألمانية والفرنسية والإنكليزية.

وفيما بعد صدر لها:

(باحثة البادية) (1920)

(كلمات وإشارات) (1922)

(المساواة) (1923)

(ظلمات وأشعة) (1923)

( بين الجزر والمد ) ( 1924)

و(الصحائف) (1924).

وفى أعقاب رحيل والديها ووفاة جبران تعرضت ميّ زيادة لمحنة عام 1938, إذ حيكت ضدها مؤامرة دنيئة,

وأوقعت إحدى المحاكم عليها الحجْر, وأودعت مصحة الأمراض العقلية ببيروت.

وهبّ المفكر اللبناني أمين الريحاني وشخصيات عربية كبيرة إلى إنقاذها, ورفع الحجْر عنها.

وعادت ميّ إلى مصر لتتوفّى بالقاهرة في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1954.

-----
مي وصالونها الأدبي


كان للصالونات الأدبية دورها فى الحياة الأدبية في مصر ..

كان لها دور كبير ومؤثر .. فصالون مي مثلا ، كان ينبض بالحرارة ، لأن صاحبة الصالون كانت جميلة ،

وكان كل أديب من الأدباء يتردد على هذا الصالون يتصور أن مي تخصه بعواطفها ،

فكان يتبارى كل أديب في عرض أحسن ما عنده .. فكان لهذا تأثير كبير في تنشيط الحركة الأدبية في ذلك الوقت ..

فالصالون الأدبي خرج منه مصطفى صادق الرافعي والعقاد والمازنى وطه حسين .. أما الجمعيات الأدبية الموجودة الآن ،

فليس لها قوة الصالونات التى دفعت هؤلاء الكبار إلى التجديد في أعمالهم .

" محمود البدوي في حوار مع الناقد إبراهيم سعفان نشر بصحيفة الوطن في 3/8/1981"

"مساء كل ثلاثاء – على ما يصف سليم سركيس – يتحول منزل الياس أفندي زيادة، صاحب جريدة "المحروسة" إلى منزل فخم في باريس وتتحول الفتاة التي لا تزال في أواخر العقد الثاني من عمرها إلى مدام دي ستايل، ومدام ريكاميه، وعائشة الباعونية، وولادة بنت المستكفي ووردة اليازجي، في شخص ومدارك الآنسة مي ويتحول مجلسها إلى فرع من سوق عكاظ والأكاديمي، وتروج المباحث العلمية والفلسفية والأدبية في مجلس يحضره اسماعيل صبري ولطفي السيد وشبلي شميل وخليل مطران وأحمد زكي باشا، هؤلاء جميعاً يهزّون بأحاديثهم ومناقشاتهم أغصان شجرة ذات ثمر ويحركون وردة ذات أريج، والآنسة مي بينهم تناقش هذا وتدفع حجة ذاك".

كان هذا الصالون مما دار فيه من الأحاديث، وما عولج فيه من المسائل وما روي فيه من الشعر، وما نوقش فيه من مسائل العلم والأدب وما بدا فيه من المشارب والميول، وما ظهر فيه من النفوس والعقول.. يصور لنا ناحية جميلة ممتعة من تاريخ الأدب في العصر الحديث". وعدّت هذه الندوة السمحة ظاهرة كبيرة في مطالع أدبنا الحديث، فإن رواد هذا الأدب في التطور والتجديد كانوا من زوارها وأصدقائها لا تفوتهم الثلاثاء من كل أسبوع. فإذا تعذرت الزيارة بقي روح المتغيب للضرورة كظامئ الطير حواماً على الماء، كما قال الشاعر اسماعيل صبري في رسالة لمي وقد اضطر للغياب:



روحي على بعض دور الحي حائمة ... كظامئ الطير حواماً على الماء

إن لم أمتِّع بميّ ناظريّ غداً ... أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء


ويعرض أحمد حسن الزيات في كتاب "من وحي الرسالة" لوحة حية لمي في صالونها: "تشارك في كل علم وتفيض في كل حديث، وتختصر للجليس سعادة العمر كله في لفتة أو لمحة أو ابتسامة، كأن فيها أفضل ما في الرجل وخير ما في المرأة فمن كان يسمعها خطيبة أو يشهدها محدثة كان يحسبها – وقد استدارت على رأسها الأنيق هالة من السحر والفتنة – قليوب إحدى بنات جوبتير التسع، وإلهة الفنون التسعة، قد سرقت من أخواتها أسرار فنونهن ثم هبطت من فوق جبل البيرناس إلى ضفاف النيل".


وكان بين الحضور فتى كفيف... و "لم يرض الفتى عن شيء مما سمع إلا صوتاً واحداً سمعه. كان الصوت نحيلاً ضئيلاً وكان عذباً رائعاً. وكان لا يبلغ السمع حتى ينفذ إلى القلب". هذا الصوت كان صوت مي. أما الفتى فكان طه حسين!..



وإن لم يكن صالون مي بدعة في تاريخ الفكر العربي قديمه وحديثه فإن أي من الندوات أو الصالون التي سبقته لم تكن بمستوى صالونها سواء من حيث تنوع مواضيع ما يبحث فيه أم من حيث مستوى البحث والباحثين وأثره. وقد تنبه الدكتور طه حسين إلى هذا الأمر إذ يقول في حديث له نشر في مجلة المقتطف: "فأما صالون مي فقد كان ديمقراطياً أو قل إنه كان مفتوحاً لا يرد عنه الذين لم يبلغوا المقام الممتاز في الحياة المصرية، وربما كانوا يدعون ليه وربما كانوا يستدرجون إليه استدراجاً فيلقون الناس ويتعرضون إلى أصحاب المنزلة الممتازة، ويكون لهذا أثره في تثقيفهم وتنمية عقولهم وترقيق أذواقهم. وأنا أذكر أني اتصلت بصالون مي على هذا النحو بعد أن نوقشت رسالتي في أبي العلاء وشهدت مي هذه المناقشة وشهدت فيما يظن بعض الحفلات التي أقامها لي الزملاء حينئذ وطلبت إلى أستاذها وأستاذي لطفي السيد أن يظهرني في صالونها، وكذلك عرفتها في هذا الصالون وترددت عليها في أيام الثلاثاء إلى أن سافرت إلى أوروبا.. وقد رجعت إلى مصر بعد سنة فأقمت فيها أشهراً ولاقيت فيها مياً في أيام الثلاثاء كما كنت ألقاها قبل السفر. وكان الذين يختلفون إلى هذا الصالون متفاوتين تفاوتاً شديداً فكان بينهم المصريون على تفاوت طبقاتهم ومنازلهم الإجتماعية وعلى تفاوت أسئلتهم أيضاً. وكان منهم السوريون وكان منهم الأوروبيون على اختلاف شعوبهم وكان منهم الرجال والنساء وكانوا يتحدثون في كل شيء ويتحدثون بلغات مختلفة وبالعربية والفرنسية والإنكليزية خاصة. وربما استمعوا لقصيدة تنشد أو مقالة تقرأ أو قطعة موسيقية تعزف أو أغنية تنفذ إلى القلوب".


أما الأمير مصطفى الشهابي فلم يتردد في محاضرة له من القول عن الأثر الذي تركه في نفسه حضور صالون مي: "وكأنني كنت في هيكل الأدب الأسمى وقدس النبوغ والعبقرية وإذا بأحاديثها تنم على أدق ما تلمسه مشاعر الإنسان وقد خيل إليّ أنني في حضرة إحدى سيدات الملأ الأعلى اللواتي كنت أقرأ عنهن في كتب كبار الأدباء الفرنسيين، وما كدنا نودعها ونخرج حتى ابتدرني الصديق العلامة أمين المعلوف قائلاً: "أنها مخيفة. فقلت: صدقت، وماذا أخافك منها؟ قال: حدة ذكائها ووفرة معلوماتها الأدبية، قلت: أما أنا ففرط إحساسها لدقائق الحديث حتى كدت أرى نفسي غير قادر على مجاراتها فيه".

وذاك أمير الشعراء أحمد شوقي – ولطالما زار صالون مي وجلس صامتاً مأخوذاً – يترجم انطباعاته عن مي بقصيدة يقول فيها:


أسائل خاطري عما سباني ... أحسن الخلق أم حسن البيان ؟

رأيت تنافس الحسنين فيها ... كأنهما لمية عاشقان

إذا نطقت صبا عقلي إليها ... وإن بسمت إليّ صبا جناني

وما أدري أتبسم عن حنين ... إليّ بقلبها أم عن حنان

أم أن شبابها راث لشيبي ... وما أوهى زماني من كياني


ويصف عباس محمود العقاد إدارة مي لندوة صالونها فيقول: "كان ما تتحدث به مي ممتعاً كالذي تكتب بعد روية وتحضير، فقد وهبت ملكة الحديث في طلاوة ورشاقة وجلاء، ووهبت ما هو أدل على القدرة من ملكة الحديث وهي ملكة التوجيه وإدارة الحديث بين مجلس المختلفين في الرأي والمزاج والثقافة والمقال.

فإذا دار الحديث بينهم جعلته مي على نسبة المساواة والكرامة وأفسحت المجال للرأي القائل وللرأي الذي ينقضه أو يهدمه وانتظم هذا برفق ومودة ولباقة ولم يشعر أحد بتوجيه الكلام منها وكأنها تتوجه من غير موجه أو تنتقل بغير ناقل وتلك غاية البراعة في هذا المقام".

وبعد مرور نصف قرن تقريباً على تلك الأيام يستعيد عباس محمود العقاد ذكراها في مقال له بعنوان "رجال حول مي" يستعيد فيه ذكرياته عن صالون مي ورواده والمتراسلين معها فيقول:

"كم كان زوار تلك الندوة العالية؟ وكم كان كتاب الرسائل منها وإليها؟ إني أعد ممن رأيتهم فيها غير مرة نحو الثلاثين أذكرهم كما ترد أسماؤهم على القلم في هذه الساعة: لطفي السيد، عبد العزيز فهمي، شبلي شميل، سليمان البستاني، أحمد شوقي، خليل مطران، أنطون الجميل، داود بركات، نجيب هواويني، توفيق حبيب، توفيق اسكاروس، أمين واصف، مصطفى عبد الرزاق، مصطفى صادق الرافعي، هدى شعراوي، إحسان القوصي، إدجار جلاد، سليم سركيس، يعقوب صروف، حافظ إبراهيم، اسماعيل صبري، ادريس راغب، فؤاد صروف، عبد القادر حمزة، منصور فهمي، طه حسين، ملك حفني ناصف، مجد الدين حفني ناصف، عبد الستار الباسل، ونخبة من هذا الطراز على اختلاف التشكيل، ومع حفظ المقام، كما يقال في هذا المقام. وكل زائر من هذه النخبة كان حقاً له أن يزور الندوة في موعدها في أصيل يوم الثلاثاء، وكان يرى من حقه ، أو واجبه، أن يعتذر لفوات موعده منها بعض الأيام. بل كان من حقه أن يكتب رسائل الاعتذار أو رسائل السؤال والتحية، وإن لم يكن من مطمعه دائماً أن يتلقى الجواب. أكل هؤلاء عشاق ؟



وعلى كل من هؤلاء ينبغي لمي، إذا أجابت، أن تجيب جواب المحبوبة التي تتقبل العشق ممن يدعيه؟ هذا هو الخاطر العاجل الذي يسبق إلى الوهم كلما ذكرت تحيات الرسائل، أو القصائد أحياناً، من غير واحد في هذه الزمرة المختارة، وهذا هو الخاطر الذي تصححه لمحة سريعة أيضاً، إلى طبيعة الندوة وطبيعة التحية "العرفية" التي تناسبها، بل تستوجبها بقانون الشعر والفن، إن لم نقل بقانون الجنتلمانية والفروسية، فتاة جميلة أديبة، يزورها أدباء وشعراء وكتاب قصة وأصحاب ذوق في جمال العصمة وجمال الطلعة. إن فات أحداً من هؤلاء واجب التحية المناسبة للمقام، فما هو بزائر صالح لمثل هذه الزيارة، ولو لم تكن زيارة عشق ومناجاة، وإن فات مياً أن تتقبل هذه التحيات ، أو وجب عليها – كما قد يخطر على بال الاقدمين – أن تصدها بالعبوس والغضب فليست هي زيارة ندوة إذن.. ولكنها زيارة واحدة قد تنتهي كما تبتدئ عند باب الدار. وهذا هو تأويل الرسائل على أسلوب الفن العاطفي ، أو العاطفة الفنية، بين صاحبة الندوة وأكثر من زائر من نخبة هؤلاء الزوار. ولكل منهم أسلوبه في تعبيره داخل هذا الإطار من التحية. لطفي السيد وأسلوب الجنتلمان وعبد العزيز فهمي واسلوب الصمت والخجل وكأنه الصبي في مجلس الفتيات القريبات. وأنطون الجميل وأسلوب بائع الجواهر في معرض الهوانم. وشبلي الشميل وأسلوب المصارع في حلبة الفكر والشعور. وخليل مطران وأسلوب موليير على غير مسرح التمثيل. وسليم سركيس وأسلوب الدعاية للبيوت في صالون من أشهر صالونات البيوت. ومصطفى صادق الرافعي وأسلوب المفاجأة بالكتابة، التي يغني الاطلاع عليها عن السماع. وإسماعيل صبري وأسلوب الشاعر الذي يعلم أن حق الغزل الصريح أولى بالرعاية من حق الكتابة والتصحيح.. وأحمد شوقي وأسلوب الإيحاء من بعيد، وعليه تعليق الفيلسوف المعجب بالطرفين..."

ويختم العقاد مقاله:

"وقد كنت – كلما ازددت معرفي بمي وبحياتها في ندوتها وفي بيتها – أشعر بحنان هؤلاء الأفاضل الأبويين نحوها. فإنهم ولا ريب كانوا يقصدون التسرية عنها ويدركون من بواكير صباها أن فرط التزمت في طويتها التي جنت عليها في أخريات أيامها، وأنها تغالب شجناً كميناً لانطوائها الشديد على ذاتها، نميل إلى أنه مزيج من الصدمة العاطفية وشعور التبتل العميق في سليقتها الدينية"

----


الأحد

موسم الهجرة الى الشمال



موسم الهجرة الى الشمال

المؤلف:
الطيب صالح

التوفر:
عدد الاجزاء: 1
سنة النشر: 1987
الطبعة رقم: 14
الناشر: دار العودة
صفحة: 171

أي شيء جذب آن همند إليّ ؟" لقيتها وهي دون العشرين، تدرس اللغات الشرقية في اكسفورد، كانت حية، وجهها ذكي مرح وعيناها تبرقان بحب الاستطلاع رأتني فرأت شغفاً داكناً كفجر كاذب، كانت عكسي تحن إلى مناخات استوائية، وشموس قاسية، وآفاق أرجوانية، كنت في عينها رمزاً لكل هذا الحنين، وأنا جنوبي يحن إلى الشمال والصقيع" مصطفى سعيد إنسان متسربل بالأسرار، قادته قدماه للاستقرار في تلك القرية السودانية للعمل بالزراعة بعد أن كان في الخرطوم تأجراً، يعمل بأرضه يفلحها يزرعها، وفي عشية من العشيات ينطلق الشعر الإنجليزي على لسانه وكأنه الإنكليزي، في نظراته عمق، وعلى أسارير وجهه هدوء، وفي أوصاله سكينة تتسرب بثقة إلى مرافقه، لم يكن راوي حكاية ذاك الرجل الذي هاجر في يوم من الأيام إلى الشمال إلى بلد الصقيع ذاك الراوي، أشد شغفاً من القارئ الذي يتابع سر غريب مسكون بإنسان أكثر غرابة منه، من خلال أحداث وسرديات موسم الهجرة إلى الشمال.


لتحميل الكتاب كاملاً - أضغط على الرابط التالي


التنبؤ الوراثي



التنبؤ الوراثي

تأليف: د. زولت هارسنياي
ريتشارد هتون
ترجمة: د. مصطفى ابراهيم فهمي
مراجعة: د. مختار الظواهري


مقدمة
كلمة ا لمؤلف
تمهيد
الفصل الأول:
الجينات ا لتنبئة
الفصل الثاني:
العدو يتغير
الفصل الثالث:
عن الفئران والرجال
الفصل الرابع:
العلامات والسرطان
الفصل الخامس:
عن العمل
الفصل السادس:
أغذية وأدوية
الفصل السابع:
الجين الطيب والجين السيىء
الفصل الثامن:
الخلاف الزائف
الفصل التاسع:
العلامات والعقل
الفصل العاشر:
ا لمعركة الكبرى
الفصل الحادي عشر:
أخطار التنبؤ
ا لمراجع
معجم ا لمصطلحات
ا لمؤلف في سطور



لتحميل الكتاب كاملاً - أضغط على الرابط التالي

العبقرية - تاريخ الفكرة



العبقرية - تاريخ الفكرة

تحرير: بنيلوبي مري
ترجمة: محمد عبد الواحد محمد
مراجعة: د. عبد الغفار مكاوي


الفهرس :
كلمة عرفان
نبذة عن ا لمشاركين في الكتاب
مقدمةا لمترجم
تقد يم
الفصل الأول:
العبقرية الشعرية وأصولها الكلاسية
الفصل الثاني:
"الفنان الخارق " عبقريا.. وجهة القرن السادس عشر
الفصل الثالث:
البعث الثاني للهوميرية.. ا???از والعبقرية
الفصل الرابع:
شكسبير والعبقرية الأصلية
الفصل الخامس:
جوته والعبقرية
الفصل السادس:
خواء مفهوم العبقرية.. مظاهر الرومانسية
الفصل السابع:
نيتشه والعبقرية
الفصل الثامن:
تفكيك مفهوم العبقرية.. بول دي مان ونقد الأيدلوجية
الفصل التاسع:
ما العبقرية ا لموسيقية?
الفصل العاشر:
العبقرية في الرياضيات
الفصل الحادي عشر:
العبقرية والاضطرابات العلي.. تاريخ أفكار متعلقة باقترانها
الفصل الثاني عشر:
العبقرية والتحليل النفسي.. فرويد ويونج ومفهوم الشخصية
ا لمؤلف في سطور


لتحميل الكتاب كاملاً - أضغط على الرابط التالي

أصول العمل الجماعي



أصول العمل الجماعي

عبدالرحمن بن عبدالخالق



لتحميل الكتاب كاملاً - pdf- zip أضغط على الرابط التالي

تكنولوجيا السلوك الانساني



تكنولوجيا السلوك الانساني

تأليف: ب ف. سكينر
ترجمة: د. عبد القادر يوسف
مراجعة: د. محمد رجا الدرني


الفصل الاول
تكنولوجيا السلوك
الفصل الثاني
الحرية
الفصل الثالث
الكرامة
الفصل الرابع
العقاب
الفصل الخامس
البدائل للعقاب
الفصل السادس
تغيير العقول
الفصل السابع
القيم
الفصل الثامن
تطور الثقافة
الفص التاسع
تصميم الثقافة
الفص العاشر
ما هو الانسان
مراجع وهوامش



لتحميل الكتاب كاملاً -pdf أضغط على الرابط التالي